الشيخ عبد الغني النابلسي
285
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
صورة مطلقا إلا ويرى ذلك العقل عين الحق تعالى عينها من حيث التجلي بالوجود كما ذكر وهذه هي المعرفة باللّه تعالى التامة الكاملة التي جاءت بها الشرائع المنزلة من عند اللّه بالملك على النبيين عليهم السلام إلى أممهم وإدريس الذي هو إلياس عليه السلام جاء بها أيضا إلى أمته التي أرسل إليهم ولكن لما كذبوه رفعه اللّه تعالى المكان العلي بانفلاق الجبل عن تلك الفرس ونزع منه المقتضيات الجسمانية بغلبة الروحانية عليه كما فعل تعالى بعيسى ابن مريم لما رفعه إليه . قال تعالى : يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا [ آل عمران : 55 ] . وحكمت أيضا بها ، أي بهذه المعرفة المذكورة من حيث اشتمالها على التشبيه الأوهام العقلية كلها فبلغت منها الغاية ولذلك ، أي لأجل ما ذكر كانت الأوهام أقوى سلطانا ، أي أشد تسلطا وقهرا في هذه النشأة الإنسانية من إدراك العقول لأن العاقل من بني آدم وإن بلغ من عقله ما بلغ من رتبة كمال العقل لم يخل عن حكم ، أي استيلاء الوهم عليه ، أي على عقله وبقدر ذلك يكون القصور « 1 » منه فيما عقل من الأمور . * * * فالوهم هو السّلطان الأعظم في هذه النشأة الصّوريّة الإنسانيّة ، وبه جاءت الشّرائع المنزلة فشبّهت ونزّهت ، شبّهت في التّنزيه بالوهم ، ونزّهت في التّشبيه بالعقل . فارتبط الكلّ بالكلّ ، فلا يمكن أن يخلو تنزيه عن تشبيه ولا تشبيه عن تنزيه . قال اللّه تعالى : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ فنزّه وشبّه ، وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [ الشورى : 11 ] فشبّه . وهي أعظم آية نزلت في التّنزيه ومع ذلك لم تخل عن التّشبيه بالكاف . فهو أعلم العلماء بنفسه ، وما عبّر عن نفسه إلّا بما ذكرناه . ثمّ قال : سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ ( 180 ) [ الصافات : 180 ] . وما يصفونه إلّا بما تعطيه عقولهم . فنزّه نفسه عن تنزيههم إذ حدّدوه بذلك التّنزيه ، وذلك لقصور العقول عن إدراك مثل هذا . فالوهم هو السلطان الأعظم المستولي القاهر في هذه النشأة ، أي الخلقة
--> ( 1 ) وفي نسخة [ التصوّر ] بدل [ القصور ] .